سيرة

شاعرة وباحثة أكاديمية وعلمية في الحقلين الثقافي والأدبي / خبيرة إعلامية للعديد من الدورات التدريبية المتخصصة في مؤسسة دبي للإعلام،ومساهمة في تميز المؤسسة عبر إطلاق أوائل البرامج الثقافية الحوارية على مستوى الخليج العربي / حائزة على جائزة المرأة الديناميكية للعام 2011 على مستوى القارات من جامعة جورج واشنطن بالولايات المتحدة الأميركية، لتنال بذلك أول جائزة عالمية تمنح لقصص نجاح نساء حول العالم قدمن تجارب مضيئة، ولتدرس قصتها لطلبة الجامعة ضمن أكبر شبكة عالمية (أون لاين) / ترجمت قصائدها إلى سبع لغات / حاصلة على دكتوراه في النقد الأدبي - تقدير امتياز عام 2004م
‏إظهار الرسائل ذات التسميات الدراسات. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات الدراسات. إظهار كافة الرسائل

الأربعاء، 26 أكتوبر 2011

المرأة العربية وسؤال الحداثة وسطوة الثقافة المرئية

دمية "الأوتو ـ كيو"




 النص هو ورقة أحدثت جدلا في  الدورة الـ15 لمهرجان المبدعات العربيات بسوسة في تونس 2010م



هل يمكننا الحديث عما يمكن أن نسميه “الحداثة” و”إبداع المرأة” في منطقة الخليج العربي، أياً يكن الحقل المعرفي الذي تنشط فيه المرأة من دون التوقف ملياً عند الظروف الصعبة والخاصة جداً التي ترسم قدر المرأة الاجتماعي وتؤطر شكل حضورها التاريخي؟
وفي ظل “التشييء” والاستهلاك الذي تتعرض له “رمزية” المرأة في شتى القنوات الفضائية العربية والتي لا تبقي غالباً، من كينونتها إلا تلك “الصورة الفاقعة” للجمال الأنثوي، ثرثرة، حركة شفاه، ولا يهم ما الكلمات، فالعين أبلغ من الأذن في التقاط الصور المثيرة للخيال الدفين... فتيات “الأوتو كيو”... حوريات عربيات حطم “الأوتو كيو” آخر ما تبقى من فرق بينهن وبين الرجل في القدرة على الكلام. فـ”الأوتو كيو”، هو الصفحة الضوئية التي تثبت أسفل الشاشة، ومنها يقرأ الجميع نساء ورجالاً، ويظن المشاهد المستلقي في أريكته وأوهامه، أن مذيعته ومذيعه يقول كل ما يقوله يخبر ويدلي برأي ويتفلسف من رأسه، لكن الحقيقة أن “الأوتو كيو” هو الذي يتكلم..
ما الشخص الذي ملأ الشاشة بعلمه ومعرفته ورخامة صوته سوى دمية تتكلم. إنها دمية “الأوتو كيو”، ناقلة كلمات المعد حرفياً بحرف.. بما في ذلك الأخطاء اللغوية.

ومع أن “الأوتو كيو”، وهو مفردة حداثية بامتياز، وثمرة من ثمراتها، ليس حكراً على النساء المذيعات ونجمات البرامج الخفيفة والثقيلة وما بينهما، كما نلاحظ، إلا أنه صديق المرأة، أكثر، ومنصفها.. فلم يعد هناك أحد أحسن من أحد، أو أبلغ منه، فالجنسان بليغان في القول والتعبير، والجميع بليغ. حتى الركاكة في عامياتها المنتشرة على المحطات التلفزيونية المتكاثرة كفطر الغابة، بليغة.
أسئلة تجيب
قد يظهر من كلامي أنني ضد هذا الجنس الملون الذي يسمونه الجنس التلفزيوني اللطيف، والواقع أنني أدافع عن ظلاله وأعماقه وإنسانيته الدفينة وراء الصور.
ولو تركت نفسي على سجيتها، فسيخطر لي أن أسال وأترك السؤال يجيب: هل حضور المرأة في التلفزيون مكافئ لوجودها ومكانتها في المجتمع العربي الجديد أم هو حضور مشوه، ويعكس خللاً أو تمييزاً ما؟ أطرح السؤال، وأتركه في رصيد من سألني في واحدة من المناسبات إن كان حضور المرأة في الشاشة التلفزيونية العربية يساوي حضور الرجل. والواقع أن مثل هذا السؤال يبدو لي نافلاً في ظل انعدام المساواة بين الجنسين، وهيمنة السياسة الذكورية على المجتمع.
وهو ما يستدعي تقليب السؤال وإعادة طرحه على نحو مختلف، فعن أي حضور للمرأة نتحدث؟ وهل يمكن اعتبار تلك الميوعة في صورة مذيعة المنوعات وذلك الإفراط في حضورها الخفيف على مدار الساعة في برامج تافهة القيمة، حضوراً؟!.
أنا أشتغل تلفزيونياً في حيز ثقافي، ومن خبرتي الشخصية مع التلفزيون، أعرف أن البرنامج الثقافي، ليس طموحاً أول لأي مذيعة عربية تنشد السلام لنفسها في مهنتها. مع ذلك ظلت فكرة البرنامج التلفزيوني الثقافي قضيتي الشخصية منذ نعومة أظفاري في هذه المهنية الصعبة والشائقة، والتي نضّيع مرات كثيرة الحدود التي ترسم علاقتنا بها كهواية، وكمهنة وكرسالة فكرية واجتماعية. ولكن من دون أن ننسى أبداً أن عالم الصورة هو مسرح طموح شخصي، فالتلفزيون ماكينة أكول، تطحن الصور والأخبار والأفكار والكلمات والرموز والعناوين والمواعيد، لتصنع لمشاهد في غرفة تلك الوجبة المنتظرة.
ثقافة الترفيه
العالم كله في خدمتك أيها المشاهد، ونحن أيضاً في خدمتك، ولكن بماذا نختلف نحن المذيعات والمذيعون حتى عندما نكون أصحاب برامج مرموقة عن مضيفي ومضيفات الطائرات في رحلة تقصر أو تطول؟ مرفهون ومرفهات في حالة ترفيه عن مرفه به. رحلة ترفيهية على هامش رحلة صعبة هي الحياة.
لا أُريد أن أتورط في تحليل اجتماعي فكري لفكرة التلفزيون، فقد فعل ذلك من هم أكفأ مني، مثقفون ومفكرون عرب وأوروبيون، ربما كان من بين أبرعهم المفكر الفرنسي رولان بارت. ولا حاجة بنا لاستعراض الأسماء للإشارة إلى عمل الفكر في حقل تحليل سيميائيات الصورة، والصورة التلفزيونية. مؤخراً، رأيت للمرة الثالثة فيلماً رائعاً أُنتج قبل سنوات عن رحلة صورة تشي جيفارا كشخصية ورمز ودلالات تاريخية وجغرافية وسياسية وفكرية عالمية، وعن قدرة صورة واحدة على اختزان مضمونات وقيم عالمية وتفجيرها كطاقة معبرة عن الشعور ومولدة للشعور.
صورة مارلين مونرو، صورة مايكل جاكسون، وقبلها صورة الفس بريسلي. صورة ابن لادن، وفي محيط إقليمي صورة محمد الدرة، أو صورة حسن نصر الله. صحيح أن الصور من صناعة الشارع أو الواقعية، لكن انتقال الصور وانتشارها، صناعة تلفزيونية بامتياز، فالتلفزيون هو الصورة.
المرأة وصورتها
هل يوجد رهان حقيقي على تصحيح الصورة، أو الصور، صورة المرأة في الإعلام المرئي العربي، وفي التلفزيون على وجه الخصوص... (وقد كسرت الإنترنت وحدانية الصورة التلفزيونية)، هل يمكن الرهان على شيء ما مختلف؟ ربما يكون الجواب رهين سؤال آخر، يتعلق بالقائمين على الأقنية الفضائية وأجنداتهم الخاصة ومواصفات السوق وشروط المعلن، وسلسلة من الشروط والاعتبارات التي تتحكم بالصورة التلفزيونية.
بل وبالسؤال الفكري عما يعنيه التلفزيون للمجتمعات العربية الحالية؟
أطرح هذه الأسئلة، وأتركها معلقة في فضاء النقاش حول التلفزيون والمجتمع؛ لأن هناك بطبيعة الحال قوى وإرادات وتيارات سلطوية حديثة أكبر منا جميعاً هي التي تحدد وظيفة الشاشة التلفزيونية ومن خلالها شكل الصورة ووظيفتها.
مرة خطر في بالي: ترى هل توجد عندنا محاورة سياسية في عمر باربرا والترز على مشارف الثمانين؟ الجواب على الأرجح لا؟ ولكننا نجد محاوراً صحافياً بهذا العمر كحمدي قنديل مثلاً. والسبب، بداهة، أن عمر انخراط المرأة في العمل الإعلامي جاء متأخراً، مع أن المرأة في شتى المجتمعات المدينية العربية غادرت بيتها وانخرطت في العمل العام منذ مطلع القرن العشرين، وربما قبل ذلك.
لا بد لي من الإشارة إلى أن هذه الأفكار والملاحظات، إنما هي خلاصات أولى، وخواطر تتداعى إليّ على هامش تجربة مع البرامج الثقافية، استمرت حتى الآن نحو 15 سنة بدأتها مع برامج قدمتها في البحرين أولاً: “شظايا الإبداع”، ثم، في دبي: “صواري”، و”وجوه”. وأخيراً وليس آخراً بطبيعة الحال مع برنامج “نلتقي” على “فضائية دبي”.
ثقافة الصورة
قبل أن ندخل في لبّ المسألة، كما أراها وأفكّر فيها، دعني أُشِرْ إلى أنني، حتى لا أكرّر كلاماً قيل من قبل، لم أقف عند نظريّات الاتصال الجماهيري، أو أستعرض ما يسمّى بـ”ثقافة الصورة”، و”الثقافة التلفزيونية” جزء منها بطبيعة الحال، وقد درسها مثقّفون ومفكّرون أوروبيون كبار، من أمثال الفرنسيين دوبريه، وبوردو وبارت، وغيرهم، وأخذ عنهم مثقّفون عرب من أمثال عبد الله الغدامي في كتابه “الثقافة التلفزيونية.. سقوط النخبة وبروز الشعبي”، وكذلك فعل غيره، وقد تركت هذا الأمر إلى سواي يتعمّق فيه، فبحثي ليس “نظريّاً” ولا هو بمثابة “وصفة” حلول للمشكلات والقضايا التي يتطرّق إليها، ولكنه بمثابة شهادة شخصية تطرح أفكاراً وتأمّلات وأسئلة غير شخصية، لنتفكّر بها كشعراء ومثقّفين وإعلاميين، ولتكون في رصيد النقاش المطروح حول التلفزيون وعلاقته بالثقافة.
والذي يبدو لي استناداً إلى التجربة الشخصية أن جانباً إضافياً من معضلة الثقافة في علاقتها بالتلفزيون يكمن في أن الأدباء والمثقّفين ينظرون إليه نظرة تحفظ، وأنا نفسي أعاني من ذلك فهم مثلاً ينظرون إليّ كإعلامية، وفي الوسط الإعلامي ينظرون إليّ كشاعرة ومثقّفة. وهذا الفصل التعسّـفي يجعلني غريبة مرتين. وعندي ليس من تناقض في أن أكون إعلامية وشاعرة وأكاديمية معاً، أو مثقّفة، في مصطلحات الوسط الثقافي. لكن هذه الحالة هي حالة إشكاليّة بامتياز، وتصلح أن تكون نموذجاً معبّراً عن الخلل في نظرتنا إلى الأشياء.
المثقفون والتلفزيون
وعندما نتحدّث عن التلفزيون وعلاقته بالثقافة، لا بدّ من أن نعرّج أولاً على علاقة المثقّفين به. المثقّفون الأوروبيون يعتبرون (وقد نقل عنهم العرب ذلك) التلفزيون “ثقافة واطئة،Low Culture أو ثقافة شعبية. لكن هذه النظرة الأوروبية تبلورت في مجتمعات التلفزيون فيها ليس نافذة للدولة على الناس، كما هي حاله في العالم العربي، ولكنه منبر إعلامي حرّ، يملكه المجتمع، ويساهم فيه المواطن الأوروبي بقسط مالي سنوي ينتزع من ضرائبه. وبالتالي، فإن ثقافة رجل الشارع الأوروبي، وثقافة المجتمع بطبقاته المختلفة حاضرة وممثّلة في هذا التلفزيون.. ويستطيع المشاهد الأوروبي أن يؤثّر، فيقدّم لائحة بطلباته التلفزيونية ويحصل عليها. وعليه، فإن حق هذه الشريحة الاجتماعية أو تلك مكفول في أن تحدّد موقفها من التلفزيون ومن الثقافة التلفزيونية بشفافية، ومن دون عُقَد تذكر. فهو “ثقافة واطئة” رغم كل ما يعتدّ به من برامج ثقافيّة مرموقة في التلفزيون الأوروبي. فبأي مصطلح نصف “التلفزيون العربي” المغترب نهائياً عن حركة الثقافة، والذي يعتدّ أهله أنفسهم بضجرهم من شيء اسمه ثقافة. ولا يضيرهم بتاتاً وصف تلفزيونهم بالخِفّة، بل إن الخفّة عندهم إطراء ومنزع وأربٌ وأداء حسن؟
من ناحية أخرى، فإن التلفزيون في معظم المجتمعات العربية، كان حتى الأمس القريب، وربما لا يزال إلى اليوم، وإن بدرجات متفاوتة، أرضاً محرّمة. فهو مملوك من الدولة، ويعتبر بوقها ومنبرها وشرفتها المشرّعة على المجتمع والعالم، وأحياناً مدفعيتها الثقيلة ضد هذه الدولة أو تلك، أو ضد هذا وذاك من الخصوم الداخليين والمنافسين الخارجيين.
هبّة فضائية
يجب أن ننتبه إلى أن الهبّة الفضائية العربية التي حصلت في العالم العربي، (وهي في حد ذاتها ضرب من ضروب الاستجابة للغة الحداثة)، اقتضت معها البحث عن مادة لا تنتهي لساعات بثّ طويلة، بل على مدار الساعة، واقتضت توظيف جسم إعلامي عربي متزايد. في هذا المناخ من النموّ الفضائي المحموم، اتّسعت حصّـة “الثقافي” في التلفزيون، وبات الطلب على “فقرة” الثقافة أكبر، بل إن بعض الفضائيات العربية في الخليج خصوصاً، حاولت أن تسوّق نفسها قنوات شبه ثقافيّة، أو أقرب إلى الثقافة بالمعنى الواسع والشعبي للكلمة. ولم يكن ذلك متاحاً أو ممكناً في العالم العربي لولا حادثين كونيين كبيرين: الأول هو تفكّك الاتحاد السوفييتي ونهاية التجربة الشيوعية في شرق أوروبا، وبالتالي سقوط ما كان يسمّى بالثنائية القطبيّة، في مطلع التسعينيات من القرن الماضي، وما ولّده هذا الحادث الكبير من ثقافة جديدة في العالم هي ثقافة “الديمقراطية الغربية”، وانعكس رجّة ضخمة في العالم العربي وحيرة أيديولوجية وثقافيّة مفتوحة على شتى الاحتمالات. والحادث الثاني هو الواقعة التراجيدية التي حدثت في 11 سبتمبر سنة 2001 في نيويورك، فقد فتحت هذه الحادثة الباب في العالم كلّه لمناقشة الإسلام من وجهة إعلامية ثقافيّة، واعتبار الإسلام ثقافة عنيفة، وبالتالي تحوّل الرجّة العربية بفعل نهاية الثنائية القطبيّة إلى اضطراب سياسي ثقافي، بانتظار التغيير. فالعالم كلّه يتغيّر، ولكن كيف سيتغيّر العرب؟ هذا هو السؤال، وسرعان ما جاء الجواب.. سيتغيّرون تلفزيونياً فقط. وحتى على هذا الصعيد سيكون التغيير نسبيّاً. إذن ولدت ثقافة جديدة في العالم العربي هي ثقافة الكلام التلفزيوني.
وعلى رغم الخلل في الكفّة ضد المسلمين والعرب في العالم، فقد تدفّقت على العالم العربي مصطلحات ومفردات ثقافيّة جديدة وسمعنا كلاماً، ورأينا برامج تلفزيونية ورحنا نتناول مصطلحات من قبيل “صراع الحضارات”، و”نهاية التاريخ”، وراجت في السوق الفضائية مفردات “الأنا” و”الآخر”، و”الشرق” و”الغرب”، و”نهاية الأيديولوجيا”، و”الإسلام والحداثة” و”الإرهاب” إلخ.... وصارت هذه المصطلحات مادة تعلكها وتبتلعها الفضائيات العربية ليل نهار على ألسنة متكلّمين سياسيين متلعثمين وآخرين فصحاء، وبرز جيل جديد من المعلّقين التلفزيونيين، في السياسة، والناحية العسكرية والاقتصاد، ولاحقاً في الفكر، يمتلك لغة أقرب إلى الثقافة الحديثة في مصطلحاته منه إلى الثقافة التقليدية، أو المحافظة، وشيئاً فشيئاً صار لدينا نحن العرب معلّقون ثقافويون أولاً في السياسة. ثم في كل شيء، من الصحّة العامة، إلى الجريمة والأزياء، وصولاً إلى أعقد القضايا والظواهر الاجتماعية والفكريّة وأخيراً الثقافيّة المحضة.
وعلى رغم القيمة الثقيلة لهذا الانفجار التعبيري عبر التلفزيون، إلا أنه يمكن اعتباره تحولاً ثقافياً بالغ الأهمية، ولعله أن يكون مقدمة نحو مجتمعات ديمقراطية عربية تؤمن بحق الفرد وحق الجماعات في التعبير عن نفسها.
مصادر الكلام
ولقد سئلت مرة عن تقويمي الشخصي كإعلامية وأكاديمية لهذا الجيل الجديد من المعلّقين والمتكلّمين العرب في الفضائيات، بمن فيهم النساء اللواتي يطلب منهن الكلام كضيفات في البرامج الحوارية. وكان رأيي وما يزال أن هذا الجيل الجديد من المعلّقين جيل “الورم الثقافي” أكثر منه جيل “عضلات ثقافيّة” حقيقية.. وليس خافياً على أحد أنه جيل يغرف مفرداته من نهر “الإنترنت”، ويتكلّم بلا حساب، ولا حسيب.. ومن دون أن يكون هناك من يردّ الكلام إلى مصادره.. لقد صار الكلام مباحاً.. نعم، ولكنه صار بلا أهل. فكل الكلام لكل الناس، ومن دون تمييز. وهذا الخلط للأوراق، هو في العمق منه ضد الثقافة، قبل أن نحدد الهوية الفكرية والجمالية لهذه الثقافة، ومدى حداثتها أو رجعيتها. وقد مكْن هذا الوضع من حصول خلط كبير في القيم، خلط يساوي بين المهرّج والمفكّر، وبين مبتكر الكلمة ومستهلكها، وبين المثقّف الحقيقي والجاهل المقنّع بقناع المثقّف. وفي نظري أن التلفزيون أكفأ وسيلة لتزييف الثقافة، والترويج للزيف، ومن ثم تكريسه. وهو أيضاً أعظم وسيلة لنشر الثقافة، وهنا خطورة هذا الجهاز العصري.
انفجار فضائي
ما سلف يقودني إلى استعادة تعبير سبق لي أن استعملته وهو تعبير الانفجار، فبعد الحادي عشر من سبتمبر وقع انفجار فضائي عربي، وبدأ أن العالم العربي استجاب، وإن بطريقة غير منظّمة، ولعلّها فوضوية، لنداء الحداثة على الصعيد الإعلامي. والطريف أن ما كافح من أجل تكريسه جيل من المذيعين والمذيعات التلفزيونيين الخليجيين من أمثالي، في السبعينيات والثمانينيات وبعض التسعينيات على صعيد توطين “الثقافة” بمفهومها الأدبي في التلفزيون، في ظروف غاية في الصعوبة، بدت أشبه بمن يمشي في حقل من الشوك، من دون أن يتمكّن هذا الجيل من زحزحة إدارة التلفزيون عن موقفها المعادي لـ”الفقرة الثقافيّة” الجادة؛ الطريف أن هذه الإدارة نفسها، ظهرت عليها فجأة مع التطوّرات العالمية التي أشرت إليها سابقاً “عوارض ثقافيّة”، وباتت تتكلّم بمصطلحات الثقافة التلفزيونية الحديثة، بل إن بعضها سبق إلى الأمام وصار يتحدّث عن شيء اسمه “ثقافة التلفزيون” و”ثقافة الصورة”، وليس مجرّد علاقة التلفزيون بالثقافة، أو علاقة الفقرة الثقافيّة في التلفزيون. ومع إدارات من هذا النوع بتنا، نحن الإعلاميين الذين عشنا مراحل أساسية من الصراع بين الإعلامي المثقّف والإدارة التلفزيونية المحافظة، في خضمّ جديد من التطلّعات الإدارية التي اعتبرت التلفزيون نفسه “ثقافة” قائمة في ذاتها، وربطت نفسها شكليّاً بالثقافة كحقل منتج للمعرفة، وراحت تتعامل مع الحياة الثقافية انطلاقاً من حاجات “الثقافة التلفزيونية القائمة في ذاتها”، وهي في حقيقة الأمر، مستهلك رديء للمعارف. وليس منتجاً لها.
ثقافة النجوم
فهل مكن هذا الانفجار الحداثي في الفضائيات من نقل ثقافة عربية حديثة إلى الناس، والترويج للثقافة الحديثة. الواقع أن الذي حدث شيء آخر، فقد ظهرت الحاجة إلى “الشاعر النجم” وليس إلى الشاعر المبدع، وإلى الروائي ذائع الصيت وليس إلى الروائي الجيّد، وإلى الكاتبة المشهورة بسبب “تجرّؤ” كتابتها على القيم، وليس إلى الكاتبة الجريئة صاحبة الكتابة العالية، و”المفكّر المنتشر” وليس المفكّر العميق صاحب الأفكار المضيئة، و”الداعية السطحي” اللاعب بالكلام وليس الداعية الورع والنزيه، و”الموسيقي الاستعراضي المتثاقف” وليس الموسيقي الملهم والمبدع، فالتلفزيون يحب “النجوم”، “نجوم الأدب والثقافة والفكر”، ويختارهم مما يطفو على السطح، بحق وبغير حق، ليضاهي بهم (وليكونوا على قدم المساواة) مع المطربة الكبيرة “منفوخة الشفتين” المشهورة رغم محدوديّة صوتها، والمغنّي الكبير الذي راج اسمه بسبب أغنية يتيمة، والممثّل التلفزيوني المشهور، والممثّلة التلفزيونية المشهورة، وهكذا.. فالقياس هو الشهرة ومتطلّباتها و”مستوى” الناس واهتماماتهم. وهذان يحتاجان إلى بحث ودرس عميقين، فليس كل بسيط ويسير وتافه مما تقدّمه الفضائيات للناس باسم “مستوى” الناس و”اهتمامات” الناس، هو ما يريده الناس فعلاً. فمن تجاربنا كتلفزيونيين، نعرف أن هناك إداريين في محطّات الفضائيات يفرضون اليسير والبسيط والتافه على مشاهدي التلفزيون، بحجّة أن “الجمهور عايز كده” بينما هو، في واقع الأمر، ما يريدونه هم، بل ما يطابق تصوّرهم الشخصي للأشياء ليس إلا.
ثقافة الشائع
والآن ما الذي يحمله في الجوهر منه هذا السلوك في رؤية كل شيء “نجومي” و”نجمي”، استقبال النجوم وتوديع النجوم والانشغال بالنجوم، هذا السلوك التلفزيوني “المائع”؟ ببساطة هو يحمل في جوهره وعرضه معاً تكريساً لثقافة “الشائع” و”الشيوع” و”الشائعة”، للسطحي والمسطّح، للموجود ولا فضل لك بوجوده، بينما الثقافة طبقات فوق طبقات وليست مجرّد قشرة على السطح ننشغل بها ونعرض عن سواها، حارمين التلفزيون، هو وجمهوره، من الغنى الكبير الذي تذخر به الثقافة تحت طبقة السطح. هذا إذا بقي فينا شيء من الحكمة القائلة إن اللآلئ تطلب من الأعماق.
على أنني أحبّذ هنا أن أكون موضوعيّة، وأفرّق بين التجربة الشخصية للإعلاميين الجادّين، في كفاحهم على أكثر من جبهة لتحقيق ولو جزء من تطلّعاتهم، وبين الواقع الموضوعي وما يسمح به. لقد ولّى الزمن الرومانسي في النظر إلى الأشياء.. بتنا أكثر براجماتية وأكثر واقعية في النظر إلى الأشياء. وانطلاقاً من الواقعية في التفكير، تقتضي الحال أن نطرح الأسئلة حول ما نريد وما لا نريد، انطلاقاً مما يمكن أن نحقّقه وما لا يمكن تحقيقه.
أسئلة حارقة
وأسأل، هنا، المعنيين بعلاقة التلفزيون بالثقافة، أسأل أسئلتي وأسئلة غيري: هل التلفزيون جهاز منشّـط للوعي ومحفّز للجمال، وملهم للخيال والفكر؟ أم هو جهاز مخدّر؟ وهل يمكن خلق توازن بين ما يسمّى “الثقافة التلفزيونية” و”الحياة الثقافيّة” و”ثقافة المجتمع”، بمعنى آخر هل يمكن الموازنة في برامج التلفزيون بين ما هو إمتاع ومؤانسة، وبين ما هو فكر وثقافة وقضايا توصف بأنها جادة؟ ولأكنْ أكثر تحديداً وأسأل، كيف يمكن إصلاح الخلل الفادح في “ثقافة التلفزيون”، التي تميل بصورة فاجعة لمصلحة “الطرب اليومي” و”حديث النجوم” المحشو بالسخف والخالي من كل طرافة، وهذا يدور بعد، أو قبل نشرة أخبار مبلولة بالدم، وفي ظلّ ظروف عربية أقلّ ما يقال فيها إنها فاجعة؟
وعند هذه النقطة يجعلني قلقي من الحال التلفزيونية العربية أسأل نفسي وكذلك محيطي من الإعلاميين: هل أتيحت لنا الفرصة، وجرّبنا وفشلنا في دورنا كإعلاميين في ربط الناس بالثقافة، وربط الثقافة بحياة الناس اليومية؟ وهل أتيح لنا، ولم نتمكّن من تقديم ثقافة إنسانية الطابع، منشغلة بالإنسان في حاجياته الروحية المختلفة وعالمية الفحوى، منفتحة على الآخر القريب والآخر البعيد في ظلّ محيط عالمي متموّج بالأفكار والأعمال والتطلّعات؟
مثل هذه الأسئلة التي طالما شغلتني تقودني في كل مرة إلى أسئلة أخرى محبطة للآمال، من قبيل: من يملك التلفزيون العربي اليوم.. الدول؟ الأحزاب والجماعات السياسية؟ أم الشركات الاقتصادية؟ أم غيرها..؟ وما علاقة أولويات هذه المرجعيات بالناس وثقافتهم؟ ولمن تشتغل لمصلحتها أم مصلحتهم؟
إن الجواب عن هذه الأسئلة الجوهرية، يحدد مضمون مجمل الأسئلة السابقة لها واللاحقة عليها.
سأتظاهر بأنني متفائلة، وأطرح مزيداً من الأسئلة الشاغلة من قبيل: ترى، هل يمكن أن ينشأ نقاش منتج حول المادة الثقافيّة التلفزيونية وأولوياتها ومستواها الإبداعي جمالياً وفكريّاً، وهل يمكن أن تتحدّد جرعات المادة الثقافيّة ودرجتها وكثافتها وتوجّهاتها، استناداً إلى دراسة حقيقية لما تذخر به الحياة الثقافيّة العربية؟
ما هي حقيقة الأزمة في علاقة القنوات الفضائية بالمادة الثقافيّة: هل هي أزمة معلن وممول، أم أزمة مقدّمي برامج من ذوي الكفاءات العالية؟ أم هي أزمة سياسة وتوجّه أعلى من المشرفين على العمل التلفزيوني؟
هل يطّلع القائمون على العمل التلفزيوني العربي على البرامج الثقافيّة والمعرفية الجادّة جداً في المحطات العالمية: الفرنسية والإنجليزية والألمانية خصوصاً؟ هل هم على اطّلاع كيف يجري تمويل هذه البرامج مثلاً؟
هل تنتبه إدارات الفضائيات العربية إلى أن السياسة التي تنتهجها في اختيار الضيوف والموضوعات والقضايا، أدّت إلى غربة التلفزيون عن المبدعين والمثقّفين وهم جسم كبير جداً؟
هل يمكن خلخلة الصيغة القائمة بين التلفزيون وحركة الثقافة لمصلحة جدل وحوار حقيقيين، حول مختلف القضايا وفق أجندة جديدة وتعاقد جديد بين التلفزيون وأوسع فئات ممكنة من المبدعين والمفكّرين، بما يخدم الثقافة والمجتمع ويجعل من الفضائيات نوافذ حقيقية مشرّعة على كلّ الجهات؟



الاثنين، 24 أكتوبر 2011

[بين الشيخ محمد بن راشد وبيني



[بين الشيخ محمد بن راشد وبيني]2007م
"معرفة"

بقلم: د. بروين حبيب

في كلامه حول "الاستثمار في البنية التحتية للمعرفة"، أراد سمو الشيخ محمد بن راشد فتح الباب العربي على العالم فأطلق الدعوة إلى بناء ثقافة عربية جديدة تقوم على علاقة من طبيعة جديدة مع المعرفة. هكذا يجب علينا نحن الإعلاميين أن نفهم مبادرة الشيخ محمد بن راشد، وطموحه الجبار للاستثمار في المعرفة، والذي اعتبرته المراجع الكبرى في العالم أضخم طموح معرفي عربي حتى الآن.
بمثل هذه الخطورة، يجب أن ننظر إلى دورنا ونحن نتحرك (بدورنا) لربط دعوة الشيخ محمد بن راشد بالناس، وهو واجبنا اليومي في الإعلام، وفي تلفزيون دبي على وجه خاص، فهو تلفزيون هذه المدينة، وهذا الصوت، وهذا الطموح ذو الطابع العربي الأصيل والإنساني معاً ..

الأنظار تتطلع الآن إلى دبي،

وعلى تلفزيون دبي أن يكون حاضراً بالمعنى الثقافي والمعرفي القوي للكلمة، لتغطية كل هذا، ولفتح القناة بين الثقافة والناس.. بطريقة جديدة غير مسبوقة تتجاوب والدعوة التاريخية التي أطلقها سموه، منادياً بأهمية الاستثمار في البنية التحتية للمعرفة، وهي بنية شاملة لكنها لا تجد لحمتها إلا بالثقافة، كما عبّر سموه.
التلفزيون يلعب أخطر الأدوار بالمعنيين السلبي والإيجابي.. وحري به أن يلعب دوراً كبيراً في نشر الثقافة الجديدة والمعرفة الجديدة بالعالم... ويوصل الرسالة التي أراد الشيخ محمد بن راشد إيصالها من خلال مشروعه الجبّار لبناء معرفة عربية جديدة بالعالم.
وفي نظرنا أن أول مَنْ سيترجم هذه الرغبة التي تحولت إلى أمر واقع قائم وبرنامج عمل يومي هو التلفزيون لما له من تأثير على مختلف فئات المجتمع.
- إن ربط الناس بالمعرفة وربط المعرفة بالحدث اليومي، هو بعض ما يمكن أن يقوم به التلفزيون، أي تلفزيون، وبالتالي فإن برامج تلفزيون دبي، والبرنامج ذو الطبيعة الثقافية، سيلعب الأدوار الأخطر في ترجمة الطموح الحضاري إلى وقائع ونشر نوع جديد من المعرفة:
- ربط المشاهدين العرب أينما كانوا بالطموحات والأفكار الخلاقة التي طرحها الشيخ محمد بن راشد، وترجمة هذه الأفكار إلى موضوعات متعددة.
- الكشف عن المواهب الجديدة الخلاقة والراقية والقادرة على إعادة تقديم العقل العربي والروح العربية الوثابة المتطلعة إلى حياة جديدة في عصر جديد.
-   تقديم معرفة عربية بامتياز من حيث قدرتها على التعبير عن الناس في الشارع العربي.
-   معرفة إنسانية الطابع بعيدة عن كل تعصب قومي أو ديني أو أيديولوجي.
- معرفة منفتحة على الآخر وليست معادية له، فليس بوسع أي أمة اليوم، ومنها أمة العرب، وأمة الإسلام أن تنغلق على ذاتها وتعادي الثقافات الأخرى كما تريد وتنادي بعض الجماعات.
- أي تقديم المعرفة العلمية، والمعرفة الأدبية والإبداع الفني والأدبي والفكري بقوالب تحبب الناس بالمادة الراقية والرصينة، وتقرب المسائل والقضايا المعقدة أدبية وعلمية وتاريخية واجتماعية وفكرية وفنية بحيث تكون قريبة من الأذهان.
وبما أن برامج المؤسسة صاحبة المبادرة ستهدف إلى "إعادة الاعتبار للفكر والمفكرين عن طريق الدعم والنشر والجوائز والإعلام" فإن أي برنامج تلفزيوني سُيقدم في هذا الإطار لابد أن يصمم لترجمة هذا الطموح إلى موضوعات وأفكار وصياغات قوية وجذابة وشعبية. وهو ما ينعكس ويتماشى مع مبادرة سمو الشيخ محمد بن راشد ويشكل واحدة من الرافعات الإعلامية المعرفية لها.
وبالتالي من شأن البرنامج التلفزيوني:
- أن يقوم بترجمة أفكار التواصل والحوار وتبادل الخبرات محلياً وعربياً وعالمياً لتشريع تحقيق الحكم الرشيد وتحفيز بناء الشراكات بين الحكومات والقطاع الخاص وتحفيز خلق وظائف جديدة .. وإلقاء الضوء بشكل فعال على الموضوعات المتصلة بذلك.
- ربط أعمال المؤسسة التي ستبنيها مبادرة سمو الشيخ محمد بن راشد بمخططاتها وطموحاتها وأهدافها على مستويات مختلفة بالجمهور العريض لكونها مؤسسة ستعمل كما عبّر سموه على "تقديم الدعم للعقول والقدرات الشابة والتركيز على العطاء للبحث العلمي، والتعليم والثقافة والاستثمار في البنية الأساسية للمعرفة، والسعي لتوفير فرص متساوية لأبناء المنطقة في التقدم والحياة الكريمة ومساعدتهم على مواكبة ركب التطور العالمي والمشاركة بشكل إيجابي في تحديد ملامح المستقبل".
- إن تفكيك هذه الطموحات إلى وحدات مركزة وربطها بالأعمال الجارية، وبالموضوعات المحددة، وبالأخبار الجارية، وتقديمها كمعرفة، هو بعض ما ينبغي على البرنامج التلفزيوني القيام به، في مواكبة المشروع الجبّار الذي عبّر عنه سمو الشيخ محمد بن راشد. وباعتقادي أن البرامج الثقافية المختلفة لتلفزيون دبي عليها أن تأخذ المبادرة إلى ذلك قبل غيرها من المحطات التلفزيونية.. وأقرب البرامج من هذه الأفكار هو البرنامج ذو الطبيعة الثقافية عموماً.. والثقافة عندي تشمل كل شيء..
- من شأن التلفزيون المشاركة بقوة في الكشف عما أشارت إليه مبادرة سموه حول "العقول والقدرات الشابة" وبما أن جيل الشباب هو الأكثر صلة بالتلفزيون، فإن التبشير بمعرفة من طبيعة محددة راقية، عصرية، منفتحة، وأصيلة، من شأنه أن يساعد على ربط قطاعات الشباب المبدع بأجواء المؤسسة وأعمالها وبالتالي يساهم بشكل قوي في توضيح معنى فكرة "الاستثمار في البنية الأساسية للمعرفة"..
- وأملنا أن يقدم البرنامج التلفزيون الجديد في حقول المعرفة بلغة جيدة تتجاوز اللهجة والوسائل السائدة عربياً في تقديم المعرفة، وهو ما يتناسب مع أهداف المؤسسة والمبادرة التي أطلقها سموه والتي تهدف إلى "بناء جسر فعال لعبور الفجوة المعرفية التي تعاني منها المنطقة اليوم"، ومن بين الفجوات الكبيرة هي ضعف العلاقة بين التلفزيون والثقافة، وغموض العلاقة بين الثقافة العصرية والناس. فهي تحتاج إلى لغة جيدة.. تردم الفجوات، وتبني جسوراً على هذين الخطين.
هذه بعض الأفكار المتساوقة مع مبادرة سمو الشيخ محمد بن راشد، سقتها لأشير إلى أهمية وحيوية الترابط بينها وبين المقترح التلفزيوني الذي أتطلع إلى تحقيقه عبر تلفزيون دبي ولصالحه.. وبعيدة عن المصالح الشخصية الصغيرة.
أخيراً فإن البنية التحتية للمعرفة التي تحدث عنها وأكد على الاستثمار فيها سمو الشيخ محمد بن راشد هي كل هذه التفاصيل التي أشرنا إليها، وإلى ضرورة ربط الناس بها.





د. بروين حبيب

انفجار فضائي عربي




أسئلة وتأملات حول الفضائيات العربية وعلاقتها بالثقافة
د. بروين حبيب


استهلال
أفكار كثيرة تزدحم في رأسي وأنا أكتب هذه الكلمة عن التلفزيون والثقافة، والمقصود علاقة التلفزيون بحركة الثقافة، بالإبداع الأدبي والفكري والفني. ولكن من منظور شخصي أقرب إلى الشهادة المبنية على التجربة والملاحظة الشخصية، منه إلى الدراسة الموثقة.
وأنا متأكدة أن هذه الأفكار والتداعيات حول المشهد الثقافي المتلفز، أو دور التلفزيون في نقل المشهد الثقافي، إنما هي شأن مشترك، كما هي الممارسة التلفزيونية، بيني وبين زملاء لي هي الحقل الإعلامي، وهو ما جعل غالبة منا تشترك في انتباهها إلى أن المضمون الثقافي لا يشكل هماً، ولا أهمية كبيرة له لدى القائمين على الاقنية الفضائية العربية، بل إنني أجزم أنه يقع في ذيل اهتماماتهم، في بيئة إعلامية أقل ما يقال فيها إنها مغتربة عن الثقافة، وقد تأصل عندها أن تنظر إلى الشأن الثقافي على أنه بلا جمهور، وعلى المادة الثقافية أنها "ثقيلة الظل"، لا تحقق النسبة المرجوة من المشاهدة، ولا تجذب المعلنين.

وقبل أن ندخل في لبّ المسألة، كما أراها وأتفكر بها، أود أن أشير إلى أنني، حتى لا أكرر كلاماً قيل، لم أقف عند نظريات الاتصال الجماهيري، أو أستعرض ما يسمى بـ"ثقافة الصورة"، و"الثقافة التلفزيونية" جزء منها، وقد درسها مثقفون ومفكرون أوروبيون كبار، من أمثال الفرنسيين دوبريه، وبوردو وبارت، وغيرهم، وأخذ عنهم مثقفون عرب من أمثال عبد الله الغدامي في كتابه "الثقافة التلفزيونية.. سقوط النخبة وبروز الشعبي" وغيره، وقد تركت هذا الأمر لسواي يتعمق به، فورقتي لن تكون ورقة "نظرية" ولا هي "رشيتة" حلول للمشكلات والقضايا التي تتطرق إليها، ولكنها شهادة شخصية تطرح أفكاراً وتأملات وأسئلة غير شخصية، لنتفكر بها. ولتكون في رصيد النقاش المطروح حول التلفزيون وعلاقته بالثقافة.

***
في الوسط الثقافي ينظر إليّ الأدباء والمثقفون كإعلامية، وفي الوسط الإعلامي كشاعرة ومثقفة، عندي ليس من تناقض في أن أكون إعلامية وشاعرة وأكاديمية معاً، أو مثقفة، في مصطلحات الوسط الثقافي. لكن هذه الحالة هي حالة إشكالية بامتياز. وتصلح أن تكون نموذجاً معبراً عن الخلل.
فلطالما اعتبر المثقفون الأوروبيون (ونقل عنهم العرب) التلفزيون "ثقافة واطئة"، Low Culture أو ثقافة شعبية. لكن هذه النظرة تبلورت في مجتمعات التلفزيون فيها ليس نافذة للدولة على الناس، كما هو حاله في العالم العربي، ولكنه منبر إعلامي حر، يملكه المجتمع، ويسهم فيه المواطن الأوروبي بقسط مالي سنوي منتزع من ضرائبه. وبالتالي فإن ثقافة رجل الشارع الأوروبي، وثقافة المجتمع بطبقاته المختلفة حاضرة وممثلة في هذا التلفزيون..ويستطيع المشاهد الأوروبي أن يؤثر يقدم لائحة بطلباته التلفزيونية ويحصل عليها. وعليه فإن حق هذه الشريحة الاجتماعية أو تلك مكفول في أن تحدد موقفها من التلفزيون ومن الثقافة التلفزيونية بشفافية، ومن دون عقد تذكر. "ثقافة واطئة" رغم كل ما يعتد به من برامج ثقافية مرموقة في التلفزيون الأوروبي. فبأي مصطلح نصف "التلفزيون العربي" المغترب عن حركة الثقافة، والذي يعتد أهله انفسهم بضجرهم من شيء اسمه ثقافة. ولا يضيرهم بتاتاً وصف تلفزيونه بالخفة، بل إن الخفة عندهم إطراء ومنزع وأربٌ وأداء حسن؟
***
من ناحية أخرى فإن التلفزيون في المجتمعات العربية، كان حتى الأمس القريب، وربما ما يزال إلى اليوم، وإن بدرجات متفاوتة أرضاً محرمة. فهو مملوك من الدولة، ويعتبر بوقها ومنبرها وشرفتها المشرعة على المجتمع والعالم. وأحياناً مدفعيتها الثقيلة ضد هذه الدولة أو تلك، أو هذا وذاك من الخصوم الداخليين والمنافسين الخارجيين.
***
وبدهي أن تفاوت وضع التلفزيون والفرق في صورته بين هذا البلد العربي وذاك عائد إلى الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية لهذا البلد أو ذاك. والتغير النسبي الحاصل في وضع التلفزيون العربي عموماً فقد جاء على محمل سياسي أساساً، وبفعل مدخلات سياسية وليس انطلاقاً من تطور اجتماعي ثقافي، لهذا البلد العربي أو ذاك.
لقد شهد العالم العربي هبّة فضائية، اقتضت معها ساعات البث الطويلة توظيف جسم إعلامي عربي متزايد. في هذا المناخ من النمو الفضائي المحموم اتسعت حصة "الثقافي" في التلفزيون، وبات الطلب على "فقرة" الثقافة أكبر، بل إن بعض الفضائيات العربية في الخليج خصوصاً حاولت أن تسوق نفسها قنوات شبه ثقافية، أو اقرب إلى الثقافة بالمعنى الواسع والشعبي للكلمة. ولم يكن ذلك متاحاً أو ممكناً في العالم العربي لولا حادثين كونيين كبيرين، الأول هو تفكك الاتحاد السوفيتي ونهاية التجربة الشيوعية في شرق أوروبا، وبالتالي سقوط ما كان يسمى بالثنائية القطبية، في مطلع التسعينات من القرن الماضي، وما ولده هذا الحادث الكبير من ثقافة جديدة في العالم هي ثقافة "الديمقراطية الغربية" وانعكس رجة ضخمة في العالم العربي وحيرة إيديولوجية وثقافية مفتوحة على الاحتمالات، والحادث الثاني هو الحادث التراجيدي الذي وقع في 11 سبتمبر سنة 2001 في نيويورك، فقد فتح هذا الحادث الباب في العالم كله لمناقشة الإسلام من وجهة إعلامية ثقافية، واعتبار الإسلام ثقافة عنيفة، وبالتالي تحول الرجة العربية بفعل نهاية الثنائية القطبية إلى اضطراب سياسي ثقافي، بانتظار التغيير. فالعالم كله يتغير، ولكن كيف سيتغير العرب؟. سيتغيرون تلفزيونياً فقط. وسيكون التغيير نسبياً. وعلى رغم الخلل في الكفة ضد المسلمين والعرب في العالم، فقد تدفقت على العالم العربي مصطلحات ومفردات ثقافية جديدة وسمعنا كلاماً، ورأينا برامج تلفزيونية ورحنا نتناول مصطلحات من قبيل "صراع الحضارات"، و"نهاية التاريخ"، وراجت في السوق الفضائية مفردات "الأنا" "الآخر"، و"الشرق" و"الغرب"، و"نهاية الإيديولوجيا:"، و"الإسلام والحداثة" و"الإرهاب" إلخ.... وصارت هذه المصطلحات مادة تعلكها وتبتلعها الفضائيات العربية ليل نهار على ألسنة متكلمين سياسيين متلعثمين وآخرين فصحاء، وبرز جيل جديد من المعلقين التلفزيونيين، في السياسة، والعسكرية والاقتصاد، ولاحقاً في الفكر، يمتلك لغة اقرب إلى الثقافة الحديثة في مصطلحاته منه إلى الثقافة التقليدية، أو المحافظة، وشيئاً فشيئاً صار لدينا نحن العرب معلقين ثقافويين أولاً في السياسة. ثم في كل شيء، من الصحة العامة، إلى الجريمة والأزياء، وصولاً إلى أعقد القضايا والظواهر الاجتماعية والفكرية وأخيراً الثقافية المحضة. ولكن هذا الجيل الجديد من المعلقين جيل من الثقافي أكثر منه جيل عضلات ثقافية حقيقية..إنه جيل يغرف مفرداته من نهر الانترنت، ويتكلم بلا حساب، ولا حسيب.. ومن دون أن يكون هناك من يرد الكلام إلى مصادره.. لقد صار الكلام مباحاً.. نعم، ولكنه صار بلا اهل. فكل الكلام لكل الناس، ومن دون تمييز. وهذا الخلط للأوراق، هو في العمق منه ضد الثقافة لأنه يساوي بين المهرج والمفكر، وبين مبتكر الكلمة ومستهلكها. وبين المثقف الحقيقي والجاهل المقنع بقناع المثقف. التلفزيون أكفأ وسيلة لتزييف الثقافة. والترويج للزيف، ومن ثم تكريسه. وهنا خطورة هذا الجهاز العصري.
***
مهدت بهذه الطريقة لأصل، إلى القول أن انفجاراً فضائياً عربياً وقع، وأن العالم العربي استجاب، وإن بطريقة غير منظمة، ولعلها فوضوية مرات، لنداء التطور على الصعيد الإعلامي.
***
والطريف أن ما كافح من أجل تكريسه جيل من المذيعين والمذيعات التلفزيونيين الخليجيين من أمثالي، في السبعينات والثمانينات وبعض التسعينات على صعيد توطين :الثقافة" بمفهومها الأدبي في التلفزيون، في ظروف غاية في الصعوبة،  بدت أشبه بمن يمشي في حقل من الشوك، من دون أن يتمكن هذا الجيل من زحزحة إدارة التلفزيون عن موقفها المعادي لـ"الفقرة الثقافية" الجادة، الطريف أن هذه الإدارة نفسها، ظهرت عليها فجأة مع التطورات العالمية التي أشرنا إليها "عوارض ثقافية"، وباتت تتكلم بمصطلحات الثقافة التلفزيونية الجديدة، بل إن بعضها سبق إلى الأمام وصار يتحدث عن شيء اسمه "ثقافة التلفزيون" و"ثقافة الصورة"، وليس مجرد علاقة التلفزيون بالثقافة، أو علاقة الفقرة الثقافية بالتلفزيون. ومع إدارات من هذا النوع بتنا، نحن الإعلاميين الذين عشنا مراحل أساسية من الصراع بين الإعلامي المثقف والإدارة التلفزيونية المحافظة في خضم جديد من التطلعات الإدارية التي اعتبرت التلفزيون نفسه "ثقافة" قائمة في ذاتها، وربطت نفسها شكليا بالثقافة كحقل منتج للمعرفة، وراحت تتعامل مع الحياة الثقافة انطلاقاً من حاجات "الثقافة التلفزيونية القائمة في ذاتها"، وهي في حقيقة الأمر، مستهلك رديء للمعارف. وليس منتجاً لها.
***
وهكذا ظهرت الحاجة لـ"الشاعر النجم"، وليس للشاعر المبدع، وللروائي ذائع الصيت، وليس للروائي الجيد، وللكاتبة المشهورة بسبب "تجرؤ" كتابتها على القيم، وليس الكاتبة الجريئة صاحبة الكتابة العالية، و"المفكر المنتشر"، وليس المفكر العميق صاحب الأفكار المضيئة، و"الداعية السطحي" اللاعب بالكلام، وليس الداعية الورع والنزيه، و"الموسيقي الاستعراضي المتثاقف"، وليس الموسيقي الملهم والمبدع، فالتلفزيون يحب "النجوم"، نجوم الادب والثقافة والفكر، ويختارهم مما يطفو على السطح، بحق وبغير حق، ليضاهي بهم (وليكونوا على قدم المساواة) مع المطربة الكبيرة "منفوخة الشفتين" المشهورة رغم محدودية صوتها، والمغني الكبير الذي راج بسبب أغنية يتيمة، والممثل التلفزيوني المشهور،  والممثلة التلفزيونية المشهورة، وهكذا.. فالقياس هو الشهرة ومتطلباتها، و"مستوى" الناس واهتماماتهم. وهذان يحتاجان إلى بحث ودرس عميقين، فليس كل بسيط ويسير وتافه مما تقدمه الفضائيات للناس باسم "مستوى" الناس و"اهتمامات" الناس، هو ما يريده الناس فعلاً. فمن تجاربنا كتلفزيونيين نعرف أن هناك إداريين في محطات الفضائيات يفرضون اليسير والبسيط والتافه على مشاهدي التلفزيون بحجة أن "الجمهور عايز كده" بينما هو في واقع الأمر ما يريدونه هم. بل ما يطابق تصورهم الشخصي للأشياء ليس إلا.
***
لكن هذا السلوك في رؤية كل شيء "نجومي" و"نجمي" استقبال النجوم وتوديع النجوم والانشغال بالنجوم، هذا السلوك التلفزيوني "المائع"، إنما يحمل في جوهره وعرضه معاً تكريساً لثقافة "الشائع" و"الشيوع" و"الشائعة"، للسطحي والمسطح، للموجود ولا فضل لك بوجوده، بينما الثقافة طبقات فوق طبقات وليست مجرد قشرة على السطح ننشغل بها ونعرض عن سواها،  حارمين التلفزيون هو وجمهوره من الغنى الكبير الذي تذخر به الثقافة تحت طبقة السطح. هذا إذا بقي فينا شيء من الحكمة القائلة بأن اللآليء تطلب من الأعماق. 
***
على أنني أحبذ هنا ان أكون موضوعية، وأفرق بين التجربة الشخصية للإعلاميين الجادين، في كفاحهم على أكثر من جبهة لتحقيق ولو جزء من تطلعاتهم، وبين الواقع الموضوعي وما يسمح به. لقد ولى الزمن الرومانسي في النظر إلى الأشياء..  بتنا أكثر براغماتية وأكثر واقعية في النظر إلى الأشياء. وانطلاقاً من الواقعية في التفكير، يقتضي الحال أن نطرح الأسئلة حول ما نريد وما لا نريد، انطلاقاً مما يمكن أن نحققه وما لا يمكن تحقيقه.
لكن ذلك لا يمنعنا من الحلم، ومن التمرد على المألوف، وطرح اسئلة شاغلة، اسئلة لا تلتزم بسقف المطروح من الأسئلة حول علاقة التلفزيون ببيئته المجتمعية منجاً للثقافة، ومستهلكاً للثقافة. وفي هذا المعرض أسال أسئلتي واسئلة غيري:

هل التلفزون جهاز منشط للوعي ومحفز للجمال، وملهم للخيال والفكر؟ أم هو جهاز مخدّر؟

هل يمكن خلق توازن بين ما يسمى "الثقافة التلفزيونية" و"الحياة الثقافية" و"ثقافة المجتمع"
بمعنى آخر هل يمكن الموازنة في برامج التلفزيون بين ما هو امتاع وموانسة، وبين ما هو فكر وثقافة وقضايا توصف بأنها جادة؟

بمعنى أكثر تحديداً، كيف يمكن إصلاح الخلل الفادح في "ثقافة التلفزيون" التي تميل بصورة فاجعة لصالح "الطرب اليومي" و"حديث النجوم" المحشو بالسخف والخالي من كل طرافة، وهذا يدور بعد، أو قبل نشرة اخبار مبلولة بالدم، وفي ظل ظروف عربية أقل ما يقال فيها إنها فاجعة؟

وعند هذه النقطة يجعلني قلقي من الحال التلفزيونية العربية أسأل نفسي وكذلك ومحيطي من الإعلاميين: هل أتيحت لنا الفرصة، وجربنا وفشلنا في دورنا كأعلاميين في ربط الناس بالثقافة، وربط الثقافة بحياة الناس اليومية؟

هل أتيح لنا، ولم نتمكن من تقديم ثقافة إنسانية الطابع، منفتحة على الآخر القريب والآخر البعيد في ظل محيط عالمي متموج بالأفكار والأعمال والتطلعات؟

من يملك التلفزيون العربي اليوم.. الدول؟ العائلات الحاكمة؟ الأحزاب والجماعات السياسية ؟ أمالشركات الاقتصادية؟ أم غيرها.. وما علاقة أولوليات هذه المرجعيات بالناس وثقافتهم؟ ولمن تشتغل لمصلحتها أم لمصلحتهم؟

هل يمكن أن ينشأ نقاش حول المادة الثقافية التلفزيونية واولوياتها ومستواها الإبداعي جمالياً وفكرياً، وهل يمكن أن تتحدد جرعات المادة الثقافية ودرجتها وكثافتها وتوجهاتها  استناداً إلى دراسة حقيقية لما تذخر به الحياة الثقافية العربية؟

ما هي حقيقة الأزمة في علاقة القنوات الفضائية بالمادة الثقافية: هل هي أزمة معلن-تحويل، أم أزمة مقدمي برامج من ذوي الكفاءات العالية؟ أم هي أزمة سياسة وتوجه أعلى من المشرفين على العمل التلفزيوني؟

هل يطلع القائمون على العمل التلفزيوني العربي على البرامج الثقافية والمعرفية الجادة جداً في المحطات العالمية: الفرنسية الإنكليزية الألمانية خصوصاً؟ هل هم على اطلاع كيف يجري تمويل هذه البرامج مثلاً؟

هل تنتبه إدارات الفضائيات العربية إلى أن السياسة التي تنتهجها في اختيار الضيوف والموضوعات والقضايا، أدت إلى غربة التلفزيون عن المبدعين والمثقفين وهم جسم كبير جداً؟

هل يمكن خلخلة الصيغة القائمة بين التلفزيون وحركة الثقافة لصالح جدل وحوار حقيقيين حول مختلف القضايا وفق أجندة جديدة وتعاقد جديد بين التلفزيون وأوسع فئات ممكنة من المبدعين والمفكرين بما يخدم الثقافة والمجتمع ويجعل من الفضائيات نوافذ حقيقية مشرعة على كل الجهات؟


وعليه، هل نستطيع أن نامل بقيام حوار حقيقي على الفضائيات حول ثقافة المجتمع يفتح الأقنية المسدودة، ويساعد المجتمع على تبني ثقافة الحوار والقبول بالآخر على قاعدة الاحترام المتبادل بين الأنا والآخر؟ بما يكبح ثقافة العنف ورفض الآخر، انطلاقاً من أيديولوجيات غاضبة؟

هناك من  بين المشرفين على الفضائيات من لا تبتعد ثقافته عن (أو تزيد على) ثقافة العموم، أنا لا اخاطب هذا البعض، لكنني أخاطب أهل القرار الذين قالوا لنا ان هذا هو الشخص الذي سنستأمنه على ثقافة المجتمع والأجيال الجديدة.. فالأجيال الجديدة هي النسبة الأكبر في مستهلكي البث التلفزيوني..

ختاماً
في رأسي عشرات الأسئلة الشاغلة، ولكن وحتى لا أطيل عليكم أعود إلى درجة الصفر (بالإذن من رولان بارت) وأسال: ترى هل على الإعلاميين التلفزيونيين المعنيين بالثقافة ابتكار صيغ جديدة تحبب إدارة التلفزيون بالثقافة قبل أن تحبب بها الناس.. فالناس ربما تطلب منا الثقافة بجرعات أقوى؟ ومن متابعتي الشخصية لبعض البرامج الحوارية مع الجمهور في بعض الفضائيات تمكنت من سماع اناس من الجمهور يتحدثون ببلاغة اكبر من تلك التي يتحدث بها مقدمو البرامج أنفسهم، وأحياناً بعمق أكبر وبقدرة لافتة على عرض وجهات نظرهم بإيجاز قد يعوزنا نحن المذيعين ومقدمي البرامج، وهو ما يجعلني أرى، بثقة كانت تعوزني قبلاً، أن الثقافة تُصنع في كل مكان، وأن التلفزيون ليس بالضرورة المنبر الأمثل للثقافة، لكنه المنبر الأخطر بالتأكيد، لما له من سلطة تأثير على قطاعات واسعة من الناس. وكلنا نعرف أن بعض الشخصيات الأدبية والعامة صنعت لنفسها شأناً عن طريق الفضائيات. بل إن فئة من المثقفين ولدت من رحم الفضائيات، وتدين لها بوجودها وانتشارها.



التنمية وثقافة البرامج التلفزيونية 2006






المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب ..




مهرجان القرين الثقافي
الرابع عشر
2006
" الثقافة والتنمية "




التنمية وثقافة البرامج التلفزيونية




إعداد : د. بروين حبيب




(الأدب برجوازي والصورة ديموقراطية)([1])







(الفضائيات – سباق الفضائح . . ([2])
بورصة النجوم – ببغائية النقل – إثارة مشبوهة ؟ !) . .




(مقدمة)

"أميرة منزوعة التاج" ..! هكذا يرى أحد النقاد المختصين حال الثقافة العربية منذ عقد من الزمن على الأقل.. وقد ضاعت ملامحها بين من سيسها، وأدلجها، وفلسفها، وأغلق عليها أبواب السجون.
وثمة من يرى من المثقفين العرب أن حالة التراجع التي تشهدها العملية الثقافية والمعرفية العربية، تفاقمت بسبب ما يسمى تنامي ثقافة الاستهلاك، وتراجع مستويات القراءة والكتابة، وكثرة المتسلقين من أنصاف الموهوبين.
ولكن ثمة آخرين يجزمون بأن تأخر الثقافة العربية سببه الأساسي دخول العرب الإعلام الفضائي، وتراجع دور البرامج الثقافية في ذلك الفضاء الواسع الضيق في آن معا، وها نحن نقف عاجزين أمام رصد أهم البرامج الثقافية العربية عبر مئتين وخمسين فضائية عربية، وغيرها الكثير من المحطات الأرضية وهي تخصص أقل من نصف بالمئة من براجمها للثقافة، فهل اتهام المثقفين للتلفزيون، لمكتبة الأسرة العربية الحديثة، بالتقصير والتجاهل قائم أم لا ...؟ كل هذا تزامن مصادفة، إذا افترضنا حسن النية، بتراجع آخر لدور الإعلام المكتوب في رصد حركة الثقافة التي تعاني هي الأخرى من شح في عدد الكتاب والمتلقين ...! وقد أدهشني تعليق لرئيس تحرير مطبوعة عربية أن المحرر الفشل في باقي أقسام جريدته ملاذه الأخير في القسم الثقافي ...!
·       هل بات الإعلام سيفا مسلطا على الثقافة وأهلها ... ؟
·       وإلى أي حد يلعب التلفزيون دورا محوريا في جذب الناس إلى البرامج الثقافية ؟
·  المشكلة حقاً في المادة الثقافية المرئية أو المقروءة أم في المتلقي الذي ما عاد يؤرقه إصدار كتاب أو توقف رواية أو موت شاعر ... ؟

تداعت أفكار وأسئلة كثيرة أمامي وأنا أعد هذه المداخلة .. هي ربما أسئلتي الملحة يومياً التي تشكل قلقي المهني والحياتي بشكل عام . .
-      هل فشلنا في دورنا كإعلاميين في ربط الناس بالثقافة وربط الثقافة بالحديث اليومي ؟
-  هل قدمنا ثقافة إنسانية الطابع ، منفتحة على الآخر وليست معادية له، فليس بوسع أي أمة اليوم ، ومنها أمة العرب وأمة الإسلام أن تنغلق على ذاتها وتعادي الثقافات الأخرى كما تريد وتنادي بعض الجماعات ؟
-      ما هي الأزمة الحقيقية لعرض المواد الثقافية في قنواتنا الفضائية، هل هي:
-  (أزمة معلن – تحويل) – أم (مقدم برامج ذو قدرات وكفاءات عالية) أم (سياسة وتوجه المحطات وقناعات القائمين على العمل التلفزيوني)! !
-      أين نحن من التواجد بين الإعلام الثقافي الفضائي الكوني؟
-  إلى أين تسير تجارب بعض الإعلاميين الجادة على تلفزيوناتنا العربية ، ما مصير هذه البرامج الجادة والقيمة. هل ينتظرها الأثير فقط !
-  هل نمتلك اليوم آليات التعتيم الفني والموضوعي لبرامجنا الثقافية أم القطيعة بين المثقف والتلفزيون حال دون إيجاد حوار حقيقي يخدم ثقافتنا بشكل عام؟
إن البناء الأساسي للثقافة العربية قائم على التجانس (Homogeneity) حيث تمثيل عاملا التاريخ واللغة رافدين رئيسيين لخلق نسق ثقافي متجانس بين الشعوب العربية .. ولا يخفى علينا أن التبادل الثقافي العربي يتم حالياً على مستويات عدة : فعلى المستوى الجزئي (Micro) يمتزج الأفراد في علاقات مصاهرة أو عمل أو صداقة على مستوى الوطن العربي ، ويرتفع معدل الحراك الاجتماعي داخله يما يرفع من درجة التقارب الثقافي ، وعلى المستوى الأشمل (Macro) تعكس وسائل الإعلام والمؤسسات التعليمية أنساقاً متقاربة في أغلب البلاد العربية ، مما يعني أن أهم مؤسستين في التنشئة الاجتماعية (بجانب الأسرة) تساهمان في تحقيق تجانس الثقافة على مستوى الوطني العربي ..
إلا أنه في داخل النسق الثقافي العام للوطن العربي توجد أنساق ذات خصوصية تابعة لكل بلاد عربي على حدة – حيث تتمايز العادات والتقاليد بين شعب وآخر، ويمتلك كل قطر رموزه وتراثه وطموحاته الخاصة به، بما يعني وجود ثقافات فرعية متنوعة داخل الإطار الثقافي العام للوطني العربي ..
ومن ثم فإن الاتصال الثقافي العربي سواء على المستوى الشخصي أو على مستوى وسائل الإعلام الجماهيرية يمكن أن يطلق عليه اصطلاحا الاتصال داخل الثقافة وهو الاتصال القائم على التنوع الثقافي في إطار نسق ثقافي عام ينتظم كل أقطار الوطن العربي . .
وبالتالي فإن هذا البناء الثقافي المتميز يخلق مناخاً للاتصال الإعلامي الناجح على مستوى الشعوب العربية، أي بعبارة أخرى: فإن الاتصال داخل الثقافة العربية بين الشعوب العربية يحقق الميزات التي ذكرناها سابقاً للاتصال بين الثقافات بعيداً عن التأثيرات السلبية له وما سيتتبعه من سيادة ثقافة على أخرى ، وهو ما أشارت إلى أهميته كتابات عدة من " ضرورة أن تطور الدول النامية سياسياتها الاتصالية القومية لتحقيق أهدافها التنموية وإعادة تأكيد سيادتها الثقافية وحماية تراثها الثقافي " في مواجهة أشكال الاتصال الأخرى بثقافة واحدة وهو ما بين أهمية التبادل الثقافي بين الدول العربية باستخدام التكنولوجية الحديثة وأبرزها القنوات التلفزيونية الفضائية، وأهمها – إذا توفرت الظروف الملائمة والدراسة الوافية – قناة ثقافية عربية([3]) (قيد الحلم)  
من الضروري ، ونحن بصدد الحديث عن أهمية استخدام البث التلفزيوني الفضائي لخدمة الثقافة التطرق إلى الجمهور المستهدف للمادة الثقافية في الإعلام المرئي .. كيف يمكن تحديده وهل يشمل فقط جمهور المبدعين والمنتجين للثقافة أو جمهورية النخبة المثقفة ؟ !
هناك عدة معايير يمكن الاعتماد عليها لتحديد الجمهور المستهدف للبرامج الثقافية، حيث ذهبت بعض الدراسات إلى اتجاهين في بحوث الجمهور وتحديده الأول:
السمات الديموغرافية وتشمل: النوع – والسن، والموقع أو المنطقة السكنية ، والتعليم والحالة الاقتصادية والاجتماعية، فمثلاً يتطلب إنتاج برامج للشباب في المرحلة العمرية من 18 إلى 35 سنة تحديد نسبة الذين ينتمون إلى تلك الفئة العمرية وتوزيعهم حسب النوع وغير ذلك من البيانات التي تساعد على تجويد الرسالة الموجهة إليهم وجعلها قادرة على تلبية احتياجاتهم، أما الثاني: فهو السمات السيكوغرافية ويشمل تحديد تفضيلات الجمهور، وعاداته، وقيمه، وأساليبه الحياتية وكلا المدخلين مهمان لتحديد الجمهور المستهدف لبرامج ثقافية مقترحة ..
إن التلفزيون يلعب أخطر الأدوار بالمعنيين السلبي والإيجابي .. وحري به أن يلعب دور كبيراً في نشر الثقافة بالعالم، ثقافة إنسانية الطابع بعيدة عن كل تعصب قومي أو ديني أو أيديولوجي ..
ولكن، هل يتم تقديم الثقافة ، والمعرفة الأدبية والإبداع الفني والأدبي والفكري بقوالب تحبب الناس بالمادة الراقية والرصينة ، وتقرب المسائل والقضايا المعقدة أدبية وعلمية وتاريخية واجتماعية وفكرية وفنية بحيث تكون قريبة من الأذهان..؟!
إن قراءة فاحصة للمشهد الثقافي تلفزيونياً وتحديد القوالب والأشكال الفنية التي تعرض المضمون الثقافي مسألة لا تشكل أهمية في معظم الأقنية الفضائية ، بل أصبحت في ذيل اهتماماتها، حيث ينُظر إليها في الغالب أنها مادة ثقيلة الظل وليس لها جمهور والبرامج الثقافية بشكل عام لا تحقق نسبة مشاهدة ولا تجذب المعلنين..
لذلك اقتصرت الأشكال الفنية في:

1-                        نشرات وتقارير إخبارية.
2-                        عروض كلامية (Talk shows).
3-                        مسابقات.
4-                        مناقشات المائدة المستديرة.

وبالنسبة لجمهور الصفوة تشير الدراسات إلى أن الصفوة في أي مكان في العالم لديها الكثير من الانتقادات للتلفزيون نظراً لاتساع الفجوة بين توقعات الصفوة وبينما يقدمه التلفزيون، مما يعكس حجم الاحتياجات الثقافية والسياسية التي تطمح الصفوة إلى إشباعها من التلفزيون.
وبالإضافة إلى الصفوة تستهدف البرامج الثقافية الجمهور العربي العام أيضاً، الساعي إلى تثقيف نفسه والإطلاع على الحركة العربية الثقافية، حاضرها أو تراثها، ففي دراسة على عينة قوامها 1325 مفردة ظهر أن نسبة 94.6% منهم يشاهدون قنوات تلفزيونية أجنبية، وجاء من بين دوافع مشاهدة هذه القنوات الأجنبية أنها تقدم أفلاماً جديدة لم تعرض في التلفزيون المحلي، وإنها تقدم برامج منوعة ممتازة، وتمكن من متابعة الأخبار والأحداث مما يشير إلى أن تقديم المواد الثقافية من شأنه أن يلبي احتياجات كثيرة لدى كل من الصفوة والجمهور العام، مما يتمشى مع إحدى نظريات الاتصال التي تذهب إلى أن الجمهور ليس سلبياً، كما كان ينظر إليه في السابق، بل يتسم بالإيجابية، هذه الإيجابية تجعله أولاً يشعر بالاحتياجات الإعلامية التي يسعى إلى إشباعها، ومن ثم تجعله ثانياً يبحث عن مصادر إشباع تلك الحاجات والانتقاء من بينها، وبناء على ما يرغب في إشباعه يتحدد حجم تأثير الرسالة، وبالتالي فإن الراغبة في إشباع الاحتياجات المعرفية والثقافية بين الجمهور ستؤدي إلى تحقيق المادة الثقافية أثراً كبيراً على زيادة معارف الجمهور العام وإدراكه.
5-                        شكل المحاكمة.
6-                        أفلام وبرامج تسجيلية.
ومن ثم فإن الاستفادة من الثراء الذي يتمتع به التلفزيون فيما يتصل بالقوالب الفنية المتعددة التي تستخدم لمعالجة مختلف الموضوعات الثقافية – يكاد يكون نادراً بل تقليدياً في معظم الأحوال.
لذلك يعيب معظم المشاهدين أن البرامج الثقافية العربية منفذة فنياً بطريقة سيئة تنقصها الكثير من عوامل التشويق الفنية وتكاد الطاولة المربعة أو المستديرة مع كتابين في الخلفية أحد المعالم الثابتة في تلك البرامج الرتيبة !!
وقد ثبت أن الصورة لا تقاومها إلا صورة تملك الدرجة نفسها من القوة والتعبير والمصداقية. كما ذهب د. عبد الله الغذامي في كتابه (الثقافة التلفزيونية) سقوط النخبة وبروز الشعبي، يقول: (لقد ظل الأدب على مدى قرون متعاقبة هو الخطاب الأكثر شعبية عند كل الأمم، وكان هو الممثل الحقيقي لضمير أمة وهو العلامة على ثقافتها . . . . غير أن هذه الصورة الثقافية التقليدية قد أخذت بالتغير في زمننا هذا، ولقد جاء التغير مع اختراع الصورة المتحركة كوسيلة للتعبير، في السينما أولاً ثم في التلفزيون، ثم حصل الانفجار الكبير مع ظهور البث الفضائي التلفزيوني الذي عمم الصورة ووحد الاستقبال) وفي مكان آخر يقول، في نفس الدراسة :
( الصورة اليوم هي ثقافة وفكر وإنتاج اقتصادي وتكنولوجي وليست مجرد متعة أو محاكاة فنية، هي لغة عصرية يشترط فيها تطابق القول مع الفعل وتمثل الحقيقة التكنولوجية بما أن الصورة علامة تكنولوجية ومؤشر إنتاجي ومنطق مستقبلي ) . .



([1])  N. Mirzoeff ; An Introduction to visual Culture 11 Routledge ; London 1999
([2]) مجلة النقاد – الحقيبة الإعلامية – العدد 33 / 27 تشرين الثاني 2000 / لبنان
([3])  مشروع لم يتحقق رغم الدراسة الشاملة التي قدمها اتحاد إذاعات الدول العربية عام 1998م.